Haany Taittawy

‏‏فجأة هكذا... أنا شاعر! Sudan

بدايةً تتخيل أنك المقصود بمشاهدةالفيلم،لتدرك لاحقاً أن المقصود بالمشاهدة هو الكون من خلالك.. أمجد احتفائيةسينمائية بصفاءالكون رغم الكدر الذي جبل عليه! ومن أعظم إنجازات ماليك السينمائية، وربما في الألفية The Tree of Life (2011) سيناريو وإخراج: تيرنس ماليك #CinemaLoquence



هذه الاحتفائية النادرة جداً أرادت أن تعيدنا إلى ذواتنا من خلال بدءالكون خلالنا نحن، من خلال عذابات وعينا في فهمنا للعالم، من خلال أنبل بوابات الألم. إن أردتُّ تلخيص فلسفته العذبة، لاأجد أفضل مما قال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه: "وتزعم أنك جرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبر"



ولأن الفيلم يتراصف مع مستويات فلسفية/ جمالية عميقة جداً مجدولاً عليها كالضفيرة، سأؤكد فقط على أهم ثلاث مستويات من وجهة نظري: * فلسفة الشر والألم ( أيوب عليه السلام) * فلسفة السرد اللا خطي (تموّج الشفرة الوراثية أو الـDNA) * فلسفة المشهدية السينمائية (ثنائية ماليك وليبوزكي)



يفتتح الفيلم بهذا الاقتباس من سفر أيوب: "أين كنت عندما وضعتُ أساس الأرض، بينما غنت نجوم الصباح معًا وهتف جميع أبناء الله من أجل الفرح؟".. وهي الجديلة الأولى في فلسفةالفيلم (بالمناسبة: أجدالفيلم قريباً لنا نحن كشرقيين أكثر من الغرب، لأن الفيلم أربك كثير من المشاهدين فعلاً) لاحقاً

قصةأيوب عليه السلام وإن اختلفت بين نسخةالعهد القديم والنسخةالقرآنية، إلا أنها يتماثلان في جوهر فكرةالفيلم.. في العهد القديم: اختبره الشيطان بعد أن راهن أن أيوب لا يعبد الله إلا بسبب بركته أو نعمته، ومنا أصيب بالبلاء، في القرآن لا نعلم عن استهلال لسبب البلاء، إنه الصبر فحسب..



في القرآن: " واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب" " وأيوب إذ نادى ربه إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" وهذا الدعاء هو جوهر صبر أيوب، أنه لم يرفع يديه ليسأل رفع الضر، بل وضع الأمر بين يدي الله متمسّحاً برحمته. لبث في بلائه13أو 18سنة قبل أن يرفع يديه لله..



أثناء بلائه رفضه القريب والبعيد،حتى شكّ أقرب الناس أن ماأصابه ما كان إلا بسبب ذنب عظيم وإلا لكشف عنه البلاء. في الأثر أن زوجته ناشدته أن يسأل الله ذلك، فقال لها كم لبثنا ونحن متنعمين ببركةالله، قالت سبعين،قال فإني أستحيي أن أسأل الله ولمّا أمضي سبعين أخرى هكذا. هذه الجديلةالثانية

الجديلتان تنضفران ببعضهما في فهم فلسفةالشر والألم الذي جبل عليه الكون، لكن من خلال أهم نوازعنا:المعاناة (هل تذكر كيف صممت شخصيات WW لتصل إلى جوهر وعيها؟ من خلال المعاناة) هل الكون يعاني من شيزوفرانيا وآلامنا ماهي إلا أعراض جانبيةلذلك؟ تيرنس ماليك قدم أعظم مرافعةسينمائية لدحض ذلك



وقبل أن نستأنف يتعين علينا أن نتطرق إلى تجربةماليك،ومدخل الملحمةالتي ألفها لنا: تدور الأحداث بدراما عائليةفي تكساس الخمسينيات.حيث يشهد الابن الأكبر جاك فقدان براءته في طفولته، وتأثير موت شقيقه عليه حينما يكبر. فيلم متجذر على التأمل، وبمقاربة أشبه ماتكون بالتجريب، لكنها ليست كذلك





تيرينس الذي بدأ مشواره السينمائي كندّ لسبيلبيرغ، بدأ يستقل بتجربته السينمائية تدريجياً، بمنجىً تأملي مستقل وعذب، من أهم أفلامه تلك: Badlands (1973) Days of Heaven (1978) The Thin Red Line (1998) The New World (2005) وفي الأخير استقل بتجربته، ومشهدها من خلال سينماتوغرافية ليبوزكي





حتى وصلنا إلى أنضج ما قدمه هذا الثنائي هاهنا، "شجرة الحياة" هو أفضل ما قدم ماليك من وجهة نظري كسينما مؤلف، إلى جانب كونها من أجمل أعمال ليبوزكي، نال الاثنان ترشيحيْ أوسكار، وفاز الفيلم بالسعفةالذهبية في كان. وبأسلوب هوليوود يمكن وضع الفيلم في المنتصف بين Life of Pi ولون الرمان

* فلسفة السرد اللا خطي (تموّج الشفرة الوراثية أو الـDNA): الفيلم قائم على تقابل(ربما تضادّ)بين ثنائيات عميقة: الفضاء/الزمن،الماء/ الشاطئ، النور/النار،الخير/ الشر، الطبيعة/ النعمة، الحب/ الكره، الحياة/ الموت، الأم/ الأب...إلخ وبهما تشخّص المساران الكونيان: مسارا الطبيعةوالفضيلة



وهذه هي الجديلةالثانية، أضف لها جديلةالماوراء، حيث يتداخل في السرد ومضات للابن الراحل من العالم الآخر، وتكون لديك ضفيرةالسرد مهيأةللتأمل فيها.. وهو سرد لاخطي مميز، يسير بديالكتيك الموجة داخلية/خارجية، منتقلاً إلى عقدةتاليةوهكذا يذكرني كثيراً بشكل حلقات الـDNA كل مسار يبادل الآخر



يبدأ الحدث المحفز من جاك على أعتاب الكهولة، وهو يوقد شمعةتأمل بمناسبةذكرى وفاةشقيقه الذي مات بعمر19 عاماً. وهو أغرب ما فعله تيرنس في السيناريو: فرّغ القصة من أحداثها السينمائيةعمداً. نحن لا نعرف تحديداً ما حدث لماذا حدث، لا يوجد أي تسلسل منطقي، نثب إلى الحدث ونتماهى معه مباشرة..



عند كتابةالحدث السينمائي يجب أن تخلق فجوةبين التوقع والنتيجة حتى يتعلق المشاهد بمنحنى القصة (ولعلّ هذا أكثر ما جعل الفيلم مبهماً لكثير من المشاهدين) لكن ماليك أراد أن يقول أننا نتعاطى مع الفيلم كالطبيعة، ليس ضرورياً أن نعرف كيف حدث ماحدث، المهم أن نعرف لماذا، وماذا بعد الحدوث..



تحدث العقدةالرئيسية في الفيلم: يموت الابن الأوسط ولا نعرف كيف أو في أي سياق، محيط القصة الزمني نفسه شبه مبهم لا نعرف أين ومتى تحديداً، يغرق صديق طفولة ولا نعرف كيف غرق.. وهكذا هذا "التخلي" هو الذي صاغ الفلسفةالمشهدية للفيلم، وهو ما جعل البعض يقول أن الفيلم بلاحبكة أو تجريبي محض



ألعن تهمة يمكنك أن تصف بها فيلماً ما أن تقول عنه أنه بلابحبكة، "بلاحبكة"كأنك تضغط على زناد المسدس،وماسورته داخل فمك! سيناريو لا خطي عجيب، كان يمكن أن يكون "أسهل" نعم.. لكني أجد أنه أحد فيلمين وحيدين في السينما قاما بما قاما به بعظمة،لأن جمهورهم يتمدد عبر الزمن +أوديسا فضاءكوبريك



وجدتّ على إثر ذلك تقابلاً عجيباً بين الفيلمين: * الفيلمان تخليا عن صوت الراوي في السرد عمداً، ماليك استبدله بمونولوغات هامسة للشخصيات الثلاثة * الفيلمان يعودان بالكون/ العالم إلى منشئه ليقدم رسالته * الفيلمان قدم مؤثراتهما الخاصةالمخضرم دوجلاس ترومبل، اشتغل هاهنا بعد29سنةتوقف!



(شخصيات الفيلم الرئيسية) جاك: الشخصيةالمحوريةبالفيلم، وأعتقد أن جاك الصغير قدم أداءاً خارقاً تفوق على شون بين نفسه، قلةمن الشخصيات جعلتني أكرهها جداً وأتعاطف معها جداً كمافعل. يتطور بعقدةأوديبيةواضحة، كي يتساءل عن معنى"الشر"الآخذ في الاستحواذ عليه، أزمتان وجوديتان في صغره وكبره



(الأب) موسيقي محبط، أجبرته الحالةالراهنةلعالمه على اتخاذ مسار وظيفي مختلف. ينقل الأب هذا النمط من الهيمنة والإحباط إلى أبنائه، بتربيةشبه عسكرية بدعوى إعدادهم لمسارالطبيعة كما يجب. وهي شخصيةدفاعيةمريرة، يخبئ انكساره بقسوته التي يبررها عن حب مغلف داخل الضبط والربط. شخصيةحقيقيةجداً



(الأم) أول جملةافتتاحيةبالفيلم، بصوتها: "علمتنا الراهبات أن هناك طريقان في الحياة:طريق الطبيعة وطريق النعمة. عليك أن تختار أي واحد ستتبعه: النعمة لاتحاول إرضاء نفسها.تتقبل أن تُخدع أو تُنسى أوتُكره، تتقبل الشتائم والإصابات. بينما تريدالطبيعة فقط إرضاءنفسها. وجعل الآخرين يرضونها"



وهي من أعظم الجمل الافتتاحيةفي تاريخ السينما، كما أن شخصيتها هي الأجمل والأعظم.. هي القوةالناعمةالمطلقة،والتي تمثل الحب غيرالمشروط والتضحيةالمنقطعة تحارب قسوةالطبيعة(حتى المنقلبةعليها من داخلها بالحب) لذلك كانت متماثلةمع الشمس..إنها معطاءة،تعطي النور والأمان والاحتواءمثلها تماما



ويستهلكها ذلك بتضحية نلمسها جميعاً فيما حولنا من أمهات ونساء.. إذن أين عقدة الشمس؟ حينما تُسيّج وتمنع من ممارسةطبيعتها، أن يحجم أحدما أو شيء ما عطاءها غير المشروط، هذه عقدتها الداخلية التي عاشت به اكتئابها بعدموت ابنها، وارتباكها الوجودي حول إنقاذ أبنائها من براثن زوجها المهيمن

طريق الأم/النعمة/ الحب هو الأصعب على الإطلاق،لأنه لايتحصل على نتائج مباشرة كطريق الطبيعة، ولأنه ينتظر انعطاف الزمن حتى يؤتي أكله. هل كانت ضعيفة كما اتهمها ابنها لاحقاً؟ حتى عندما خرب الأبناء وتمردوا بنمط طبيعي من التطور، كانت هي احتواءهم (أثناءمنازعتهم طبيعةالشر أو الشرالطبيعي)



(الشجرة) كالشعر محور ماليك الفيلم حول شخصيةالشجرة التي تمثل الروح حيناً وتمثل المعرفةحيناً آخر، وتمثل نتاج الطريقين دائماً.. الشحرةالعظيمة التي تنهض من بذرةدون أن تنسى من أين نشأت،المتشابية للنور وللشمس وتسبح بحمدالله مهما كانت الأعاصير والتشوهات التي تعتريها، شجرةالذات السامقة



ولكل شجرةبصمة انعتاق تميزها عن غيرها من الشجر، والتي تستمر في الإيراق والإثمار حتى تنقضي.. اوإذا سألنا أين الروح من كل ذلك؟.. أعتقد أن ماليك مشهدَ الروح بالضوء، هناك مشاهد مبكيةمن فرط جمالها وتوظيف الضوء فيها: مشهد ر.ل وهو يعزف على غيتارته عند مدخل الباب/ مشهد نفق العلية/ وغيرها

مشاهد الأم جميعها متضافرة مع الضوء/ النور/ الأسطورة (دائماً قريبة من الشجرةالعظيمة).. بل إن سلوك الكون منذ بدايته تماهى مع الأم أثناء ولادتها، قلقها، اكتئابها، فرحها.. وهذا يأخذنا إلى الفلسفةالثالثة: * فلسفة المشهدية السينمائية (ثنائيةماليك وليبوزكي)









كيف "فلسف" ماليك الطريقين؟ * تكثيف جميل جداً للظلال (السلويت) والضوء، وأقدام.. دائماً أقدام تمشي على الأرض * فتح حواراً خافتاً بين الزوايا الثلاث للفيلم، لا لتعطي معلومات بل لتؤكد تواصلها الحميمي * منذ فقد الابن الأوسط ونحن نرى زوايا المشاهد وكأنها ذاتية (تشبه ذاكرتنا حال الفقد)









بعد أول ربع ساعةتقريباً بعد أن أعدّ ماليك خط الفيلم، ذهب بنا في ربع ساعةلطبيعةالكون،وماوراء طبيعتها، بمشاهد مرعبةخلابة الجمال، عادإلى البدء ليقتفي منشأ الطريقين: الطبيعةوالنعمة ووصل بنا إلى مشهد لايضاهى لانبثاق أبكر نور وعي للنعمة، حينماتخلى الديناصور المفترس عن فريسته مدركاً



نحن نرى الكون محتضنناً بعضه النور والنار/ الفضاء والزمن/ الموجةالظاهرةوالموجةالباطنة/ وخلاله تدب الحياة،تتوحد الخلايا والفقاعات والطبيعةبمشاهدوثائقيةمجنونة وبمقاربةسيرة ذاتية.. لا أستبعد أن يكون وعاء القصة مستند إلى أحداث وتجارب حقيقية مر بها تيرنس مالك نفسه في الدراما العائلية.









(تجربة النهاية) عندما عدنا بالزمن إلى نشوئه فقدنا زخمه في الفصل الثالث.. ماليك يقول لنا أن الكون متسق بطريقيه وهذا جماله، وبأنه لا شيء مغادر لهذا النظام المحكم، وأن التأمل هو نورنا الذي يأخذنا في هذا الطريق.. هل مات جاك؟ أم أنها NDE؟ أو أنها حالة من النيرفانا؟ كل الإجابات صحيحة







Download PDF

Add a comment

Similar news